يعرض هذا التقرير الذي أعدّته وكالة الأناضول ونشره موقع ديلي صباح صورة تفصيلية للقيود والانتهاكات التي يواجهها الفلسطينيون أثناء محاولتهم العودة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر، في ظل إجراءات إسرائيلية صارمة تترافق مع استجوابات وضغوط وادعاءات بإساءة المعاملة.


ينقل ديلي صباح عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قوله إن 488 مسافرًا فقط من أصل 1,800 تمكنوا من عبور المعبر في الاتجاهين منذ إعادة فتحه مطلع فبراير، ما يعكس نسبة التزام إسرائيلية لا تتجاوز 27%. خرج من القطاع 275 شخصًا، بينما عاد 213 آخرون، في حين منعت السلطات 26 مسافرًا من مغادرة غزة إلى مصر خلال الفترة نفسها.


قيود مشددة وعبور محدود


أعادت إسرائيل فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح في 2 فبراير بعد إغلاق دام منذ مايو 2024، لكنها فرضت شروطًا شديدة الصرامة وحصرت العبور في أعداد محدودة. يوضح التقرير أن هذه السياسة عطلت سفر الجرحى والمرضى للعلاج في الخارج، كما أعاقت عودة آلاف الفلسطينيين الذين غادروا القطاع أو علقوا خارجه خلال الحرب.


يفيد فلسطينيون حاولوا العبور بأنهم خضعوا لسلسلة طويلة من الإجراءات تبدأ بالجانب المصري، ثم المرور عبر السلطة الفلسطينية وممثلي الاتحاد الأوروبي، وصولًا إلى مجموعات مسلحة تعمل بدعم إسرائيلي، قبل تسليمهم لجنود إسرائيليين لإجراء تفتيش واستجواب أمني.


انتهاكات موثقة وشهادات صادمة


تنقل ديلي صباح عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة قوله إن عائدين أبلغوا عن اقتيادهم من قبل مسلحين فلسطينيين مدعومين من الجيش الإسرائيلي، يُعرفون بأنهم عناصر من ميليشيا أبو شباب، إلى نقاط تفتيش عسكرية إسرائيلية. هناك تعرّض بعضهم للتكبيل وتعصيب الأعين والتفتيش القسري والتهديد ومصادرة الممتلكات الشخصية.


في اليوم ذاته، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية أن السلطات سمحت لعناصر من هذه الميليشيا بالمشاركة في تفتيش الفلسطينيين المغادرين والعائدين عبر رفح. لاحقًا، تحدثت تقارير صحافية إسرائيلية عن دعم إسرائيلي سري لميليشيات مسلحة في غزة بالمال والسلاح والحماية الميدانية، بزعم مواجهة حركة حماس في المناطق التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية.


تشير شهادات العائدين إلى نمط من العنف والاستجوابات المهينة والتفتيش الجسدي القسري، ما ينتهك الخصوصية والكرامة الإنسانية. في بعض الحالات، حُرم أشخاص من الرعاية الطبية أو حتى من استخدام دورات المياه، ما تسبب في إذلال شديد، وفق ما أورده التقرير.


المال كأداة ضغط ومنع للعودة


يؤكد التقرير أن عددًا من العائدين أفادوا بعروض مالية مقابل العودة إلى مصر مع عائلاتهم وعدم الرجوع إلى غزة مجددًا، بينما قال آخرون إنهم تلقوا عروضًا للتعاون مع الجيش الإسرائيلي والعمل كمخبرين. يرى مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن هذه الشهادات تكشف سلوكًا منسقًا ينتهك حق الفلسطينيين في الأمن الشخصي والكرامة، ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.


يحذر المكتب من أن هذه الممارسات قد تشكل إجراءات قسرية تهدف إلى ثني الفلسطينيين عن ممارسة حقهم في العودة إلى المناطق التي نزحوا منها قسرًا، وهو ما قد يرقى إلى تطهير عرقي في غزة. ويؤكد رئيس المكتب أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية ضمان التزام جميع التدابير المتعلقة بغزة بالقانون الدولي واحترام حقوق الفلسطينيين كاملة.


دعوات لوقف الانتهاكات


ردًا على هذه الشهادات، طالبت منظمتان إسرائيليتان لحقوق الإنسان بوقف ما وصفتاه بسياسة إساءة المعاملة والقيود غير القانونية المفروضة على سكان غزة الراغبين في العودة عبر رفح، محذرتين من أن هذه الإجراءات تعني نقلًا قسريًا للسكان. طالبت المنظمتان بوقف فوري لهذه السياسات ورفع القيود الأمنية، وضمان الحق في العودة دون شروط تعسفية.


تشير التقارير الميدانية إلى أن أعدادًا محدودة، معظمهم من النساء والأطفال، سمح لهم بالعودة، رغم الحديث عن ترتيبات تسمح بدخول نحو 50 شخصًا يوميًا، دون تفسير واضح للفجوة بين المعلن والمطبق.


إصرار على العودة رغم الدمار


يختم التقرير بالإشارة إلى أن التقديرات في غزة تفيد بأن نحو 22 ألف جريح ومريض يحتاجون إلى مغادرة القطاع للعلاج، بينما سجل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى غزة، في تعبير واضح عن رفض التهجير والإصرار على العودة رغم حجم الدمار. قبل الحرب، كان مئات الفلسطينيين يعبرون رفح يوميًا في الاتجاهين دون تدخل إسرائيلي مباشر، في مشهد يختلف جذريًا عما يعيشه القطاع اليوم.

 

https://www.dailysabah.com/world/mid-east/cash-coercion-abuse-israeli-efforts-to-block-returns-to-gaza-via-rafah/amp